القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

قصه قصيره بعنوان "أضرار الماضي" | بقلم إيمان العايدي&إيمان عرفه| آليوم آلتاسع | فريق الكتّاب | Nine Day.

"أضرار الماضي"


   ها قد بدأ سبتمبر الذي يهل بالعام الدراسي الجديد، وفي بيت بسيط ببيئة متوسطة الحال.

بدأ ينادي زياد والدته نورا: ماما يا ماما إنتِ فين؟

أجابت بعصبية: أنا هنا يا زياد في المطبخ عايز ايه؟

زياد بهدوء ممزوج بالخوف: شهر تسعة بدأ والكل حجز الدروس و جابوا الملخصات وأنا لسه، ما تقولي لبابا عشان خاطري أنا بخاف أكلمه

نورا بلامبالاة :مليش دعوة عندك أبوك جوه قوله

نظر إليها زياد بحزن ورحل ولا يعلم ماذا سيفعل، هل يذهب لأبيه و يأخذ قسطًا من التوبيخ والإهانات أم يصمت؟

لكنه ثانوية عامة لا يمكنه الصمت كعادته، فهذه هي السنة التي ستحدد مصير حياته.

قرر أخيرًا أن يصمد أمام أبيه و يطلب منه شيء لأول مرة بحياته واتجه نحو غرفته ودق الباب.

رد عليه أبيه "أحمد" بعصبية: مين و عايز ايه؟ أنا مش قولت مية مرة محدش يخبط عليا و أنا نايم؟

زياد بصوت مُزجَ بالرهبة: أنا زياد يا بابا ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟

أحمد: إدخل يا سي زفت عايز ايه؟

زياد: حضرتك عارف إني ثانوية عامة السنادي و الدروس بدأت بقالها فترة وأنا محتاج ابدأ وأجيب الملخصات، حضرتك عارف قد ايه السنة دي مهمة.

رد عليه أحمد بعصبية: فلوس فلوس فلوس هو أنتم فاكرين إني قاعد علي بنك كل اللي عايزينه فلوس وبس، و بعدين أنت أصلا غبي ومش فالح هتطلع ايه يعني يا أخويا دكتور ولا مهندس، ما أنت أخرك تطلع صايع زي أخوك، خلفة هم كلكم إطلع بره يلا مش عايز أشوف وشك فورت دمي

خرج زياد من الغرفة عيناه مُتغرغرة بالدموع لا يعلم ماذا يفعل؟، شيء ما أصاب قلبه بالذبول فكان وقع كلام أبيه علي قلبه كالسهام القاتلة واحدًا تلو الآخر، وحتمًا أصاب قلبه أحدهم.

اتجه زياد نحو غرفته ليفكر ماذا سيفعل. هل سيبحث عن وظيفة، واذا وجد هل سيستطيع التوفيق بينها وبين دراسته؟

قطع شروده صوت أمه المنفعل: هو مفيش غيري في البيت محدش يعرف يجي يفتح الباب؟

زياد لنفسه: و بدأت فقرة عكننة جديدة أهو ربنا يستر.

هَم مسرعًا نحو الباب قائلًا: حاضر ياللي على الباب.

فتح الباب فوجد أخيه الأكبر سيف: هو إنت يا عم سيف يا عم اعملك مفتاح بدل الدوشة دي.

إذ بصوت أبيه يرد: و يبقي معاه مفتاح ليه الصايع ده، أخيرا شرفت يا أستاذ.

و قبل أن يفتح سيف فمه و يبدأ بالرد، هوت صفعة على وجنته، ليغمض سيف عينيه بشدة كي لا ينقض على الفاعل فهو والده ولا يستطيع أن يتطاول عليه، لكن إلى متى سيظل عائشًا بمهانة هكذا؟، لابد من انتهاء تلك المذلة.

أحمد: هتفضل زي مانت كدا غبي ومغفل

جز سيف علي أسنانه ليكتم غضبه وقال بصوت مكبوت: لو سمحت انا مش غبي ولا مغفل، إنت اللي مش فاهم حاجة

صفعة أخرى نزلت على وجنته الأخرى فقال سيف بصراخ: بطل تضربني بقا زي العيل الصغير، فوق وافهم إني كبرت كفاية عيشتني أسوء طفولة ممكن أي حد يتخيلها

أحمد: أنت بتعلي صوتك عليا؟ بتعلي صوتك على أبوك يا سيف؟

سيف: مستني مني ايه؟ مستني مني أسيبك تضربني كدا و أسكت؟

جاءت والدته فقالت: ويديك بالجزمة كمان ولا نسمعلك صوت

ضحك بسخرية وقال: اااه انتم عايزين تستعبدوني بقا

ثم تابع بجمود: أنا مغلطتش، أنا عملت زي مانت طلبت مني بالظبط و وصلت الأمانة لصاحبك شوف بقا صاحبك وداها فين؟

أحمد بغضب: اخرس يا غبي، انت بتتهم صاحبي بالسرقة

سيف: أنا مقولتش كدا، إنت بتثق في صاحبك وللأسف بتخون ابنك اللي من لحمك ودمك

أحمد بشك: مش يمكن أنت اللي طمعت في الفلوس و أخدتها؟

سيف بألم: لغاية هنا وكفاية بقا، كفاية أنا مش قادر أستحمل، طالما إنت بتشك فيا يبقي متستأمنيش على حاجة تاني وشوف حد غيري

ثم نظر لهما وقال: كان عندي أمل إني الاقي الحنان في البيت ده بس للأسف الحنان عمره ما هيكون موجود في قلوب من حجر

ثم ذهب، جلس أحمد وحدث رفيقه وكأن الذي أهانه هذا لم يكن ابنه، وأما عن والدته فذهبت إلى المطبخ لتستكمل إعداد الطعام!

وبالغرفة المنعزلة في ذلك المنزل تجلس فتاة بمقتبل عمرها على فراشها وتبكي بصمت على ما آلت إليه الأمور بين أفراد عائلتها، فلقد فقدت القدرة على التحمل نهائيًا.

دلف إليها زياد: خلاص يا ندى مش كل ما تحصل مشكلة تعيطي، مش معقول كل ده و مش قادرة تتعودي عليهم

ندى: زهقت يا زياد وقلقانة على سيف، و بعدين هي دي حاجة ينفع أتعود عليها حرام عليهم و الله العظيم، احنا مشوفناش منهم قليل

زياد: سيف مش عيل صغير هتلاقيه راح عند زيدان صاحبه و اهدي كده

ندى بسخرية: حتى مش مسموح يكون معانا تليفون كنا اتصلنا عليه واطمنا

لوى فمه بسخرية وقال: إنتِ عايزة أحمد ونورا يضحوا بجزء بسيط من أموالهم ويشتروا ليكي تليفون!

ندى بصراخ: هو إحنا مش أولادهم ولا ايه؟

زياد بخوف: بس وطي صوتك ليسمعوكي

ندى: اطلع برا يا زياد سيبني لوحدي

تركها وخرج بحزن، فأخذت هي تجفف دموعها ثم جلست و جلبت دفترها ليفيض قلمها عما بداخل قلبها. بدأت تكتب لعل تلك الحروف تُخرِج ألمًا تحشرج في صدرها منذ صغرها:

    ربي أنت وحدك تعلم قدر معاناتي، عانيت بهذا المنزل و رأيت صدمات لا تعد ولا تحصي، منذ ولادتي ولم تجف دموعي، هُدم غشاء قلبي وتمزق بسبب نزاعاتهم المستمرة. كبرتُ و كبرت معي هشاشتي التي لم تستطع يومًا تقبلهم أو التأقلم مع صوتهم العالي. تربينا جميعًا وداخل كل منا عقدة مختلفة بسبب ما رأيناه في هذا المنزل. دائمًا ما كنت أري أبي يقوم بتوبيخ سيف ويعنفه ويضربه ضربًا مبرحًا، كنتُ أذهب مسرعة نحو فراشي لأتخفى حتى لا يراني، أكتم صوت بكائي حتي لا يسمعني و يأتي ليضربني مثله. كبر بداخلي الخوف وكبر بداخل سيف العنف و اللامبالاة إلي جانب صلابة قلبه لقتلهم إياه في الصغر. لم يكتفوا بسيف وتكرر نفس الشيء مجددًا مع زياد، توبيخهم المستمر جعله يفعل الكثير من المشادات مع زملائه، تنمرهم عليه بالبيت كان يخرجه عليهم. لا أعلم كيف لي أن أنعتهم بأب وأم.

يا الله ساعدنا لنتحمل كل ما يحدث، فأنا لا أستطيع الصمود أكثر من ذلك.

ثم وضعت دفترها وقلمها جانبًا وتسطحت لتسقط في ثبات عميق لعلها تجد أحلامًا وردية تهون عليها مرارة ما تحياه.


"يُحكى أن التعليم في الصغر كالنقش علي الحجر، فماذا ننقش في نفوس أطفالنا في صغرهم؟

هل ننقش الخير أم الشر؟، هل نقوي نفوسهم أم نهدمها ونمحي شخصيتهم بأيدينا؟، هل ندعمهم ليصبحوا أصحاء أقوياء أم نتنمر عليهم فيكونوا مليئين بالعقد النفسية التي تدمر حياتهم فيما بعد؟

الآن نواجه العالم بمساوئه مع كم كبير من الأخطاء التي يصعُب علينا مواجهتهُا. نتصرف بسوء لأن هذا هو السائد والمنتشر تحت قانون "نفعل ما يفعله الناس لأنه الأصح"

فَسد كل شيء و أصحبت النفوس مريضة وأصبحنا بمجتمع ملئ بالمشكلات النفسية التي تعيق الفكر وتصيب القلب بجمود المشاعر، فرفقًا بصغارنا.



"بيلســٰــان"

إيمان العايدي & إيمان عرفه

#فريق_اليوم_التاسع

تعليقات